عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
252
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
كان ابن الخطاب يضرب على هذا ، أو ما سمعته يقول : أتروني لا أقدر أن أتخذ اكبادا وأفلاذا وصلائق وصنابا « 1 » . ألا تراه كيف ينكر أكله ، ويستحسن معرفته ؟ ثم يقول للذي يليه : أبا فلان ما أدمك ؟ فيقول : الشبارقات والأخبصة « 2 » والفالوذجات قال : طعام العجم وعيش كسرى ولباب البرّ بلعاب النحل بخالص السمن ! حتى أنى على آخرهم . كل ذلك يقول : بئس العيش هذا ، هذا ليس عيش آل الخطاب ، كان ابن الخطاب يضرب على هذا . فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم فقال : يا أبا سعيد ما أدمك ؟ قال : يوما لبن ، ويوما زيت ، ويوما سمن ، يوما تمر ، ويوما جبن ، ويوما قفار ، ويوما لحم . عيش آل الخطاب « 3 » » . وإذا رأينا الأصمعي يستنكر ما أصبحت عليه أطعمة العرب في العصر العباسي من تنويع وتعقيد وافراط وتفريط ، ومخالفة لأطعمة السلف الصالح من الخلفاء الراشدين فإننا نجد أن الخلفاء العباسين ، ورجالهم قد أضافوا أطعمة جديدة ، وصفات أخرى ، وألوانا شتى على التقاليد الأعجمية في المطاعم والمشارب ، ولا سيما في صناعة الأطعمة وطبخها كما وصفها لهم طهاتهم وأطباؤهم وشرابيوهم . لقد أصبح فن الطبخ أو صناعة الطباخة فن وعلم قائم بذاته ، وان تطور الأطعمة والأغذية وكثرتها مع توفرها على اختلاف أنواعها جعلت العباسين يتفننون في طهيها وفق أساليب معينة معقدة وبنسب حسابية دقيقة . فاكتسب الناس بذلك مهارة فائقة مما دعا إلى ازدهار فن الطبخ الاسلامي وصناعته . وقد انتشرت هذه الصناعة بين طبقات المجتمع جميعا حتى حذق فيها الخلفاء والأمراء والوزراء والمغنون والتجار والملاحون وغيرهم .
--> ( 1 ) الصلائق : ج صليقة وهي القطعة المشوية من اللحم . الصناب : أدام يتخذ من الخردل والزيت ( يونانية ) . ( 2 ) الأخبصة : قطع اللحم صغيرة أو لحم يقطع قطعا صغارا . وشبرق اللحم قطعه . ( 3 ) البخلاء : ص 181 .